نصر حامد أبو زيد

215

الاتجاه العقلي في التفسير

اللقاء ليس هو بمعنى الرؤية وأنهم إنما يستعملونه فيها مجازا ، وإذا ثبت ذلك ، فيجب أن نحمل هذه الآية على وجه يوافق دلالة العقل » 235 . وإذن فإن المعتزلة يفرقون بين « اللقاء » و « الرؤية » أولا ، وهي تفرقة دلالية دقيقة ، ثم يلجئون بعد ذلك إلى تأويل اللقاء بأنه لقاء اللّه أو الملائكة على أساس أن اللّه ذكر نفسه وأراد غيره ، على طريقة حذف المضاف وإقامة المضاف اليه مكانه وهي طريقة تعبيرية مشروعة لها سند من القرآن وكلام العرب . وفي مقابلة هذا المسلك اللغوي والنحوي من جانب القاضي عبد الجبار في تأويله الآية ، يقابلنا المسلك البلاغي عند الزمخشري الذي يرى أن في الآيات تمثيلا . يرى أن التحية في قوله تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ مثل وكذلك اللقاء 236 . لا يتبقى أما المعتزلة من آيات يستشهد بها على جواز الرؤية سوى قوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ ويتأوّل الخصوم كلمة الزيادة على أساس أنها رؤية اللّه ، وهو تأويل هزيل لا سند له من اللغة ولذلك لا يجد المعتزلة أدنى عناء في ردّه ، بل والسخرية منه . أمّا الرد فهو معارضة ما رواه الخصوم في تفسير « الزيادة » عن الصحابة بتأكيد تعارضها فإذا كان الخصوم قد رووا عن أبي بكر ، وعن صهيب أن تأويل قوله « وزيادة » النظر إلى وجه اللّه ، فإن المعتزلة يروون ما ورد عن علي وغيره في تفسير الزيادة على أنها تضعيف الحسنات « وهو الذي أراده عز وجل بقوله : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وقال بعضهم هو التفضّل الذي وعد اللّه المؤمنين به بقوله : فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ » 237 . وأمّا السخرية فتتمثل في أن المعتزلة يلزمون خصومهم على هذا القول أن يكون الثواب هو التمكين من النظر إلى اللّه ، وأن يكون العقاب هو الحرمان من النظر إليه ، وأن يقتصر في الثواب والعقاب على ذلك « لأن ذلك إذا كان معظم الثواب ، وكان ما عداه يسيرا بالإضافة إليه ، فغير ممتنع أن يقتصر في اثابتهم عليه ، ويزاد في لذتهم القدر الذي يكافئ سائر ملاذهم . ويجب أيضا أن لا يؤمن أن يقتصر اللّه في تعذيب أهل النار على تعذيبهم بأن ينفر طباعهم من رؤيته ويزيد في ذلك بحسب اختلاف أحوالهم ، وفي ذلك ابطال الجنة والنار والثواب والعقاب بسائر الوجوه المعقولة » 238 . ج - مبدأ العدل وقضية خلق الأفعال . تعدّ هذه القضية أساس قضية العدل - الأصل الثاني من الأصول الخمسة - عند المعتزلة ، ذلك أن كون اللّه عادلا يقتضي منه أن يعاقب المسئ ، وأن يثيب